محمد حماد

من كرم الله مع عباده أنه سبحانه وتعالى فتح لهم أبواب التوبة، لنيل رحمته ومغفرته، وأخبر أنه لا يقبل فقط التوبة ممن تاب، بل يحبه ويفرح به وأنه ليس شيء أحب إلى الله تعالى من التوبة: «إن الله يحب التوابين»،
وقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: «لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلاً وبه مهلكة، ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، حتى اشتد عليه الحر والعطش، أو ما شاء الله. قال: أرجع إلى مكاني، فرجع فنام نومة ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده»، وقد دعا الله عباده إلى التوبة فقال: «وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون»، وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير).
التوبة قبل أن تكون فرض عين على كل مسلم، هي نعمة جليلة أنعم الله بها على عباده، إذ منحهم فرصة لمراجعة الحساب، وتدارك ما فات، والأوبة إلى ما فيه نجاتهم من المهلكات، وخير الزاد ليوم القيامة أن يتوب المرء من خطاياه، وأن يعتزم فعل الخير، ويقدم على ربه بقلب سليم، رغبة في ثواب الله، وخوفاً من عقابه.
تهب نسمات رحمة الله بعباده المذنبين من آيات التوبة والاستغفار فاتحة باب الأمل في قبول التوبة، وغفران الذنوب، بل وإبدال الذنوب حسنات للتائبين الصادقين في توبتهم؛ (إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً)، ولولاها لفقد الإنسان الأمل في رحمة الله، واستمرأ الذنوب، وظل سائرا في غيه وطغيانه، حتى يوافيه الأجل المحتوم.
ومن خير ما بشرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال، حين حضرته الوفاة: «كنت كتمت عنكم شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقاً يذنبون ويتربون، يغفر لهم».

قاتل المائة

إن الله أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين فلا يقنطن المؤمن من رحمة الله وليتب إليه مهما بلغ عظم ذنوبه، فقد وردت قصة عن مسلم من بني ««إسرائيل»» قتل مئة إنسان ثم سأل عالماً: هل لي من توبة؟ قال له: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ اذهب إلى أرض كذا فإن بها قوماً صالحين، يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا قطع نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة. وفي رواية في الصحيح: فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها، وفي رواية: فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له.
إن التوبة إلى الله عز وجل لا تتوقف في وقت وتنشط في أوقات، بل هي على الحقيقة وظيفة العمر التي لا يستغنى عنها المسلم أبداً، فهو يحتاج إلى التوبة كل يوم، كيف لا وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم مئة مرة؟

التوبة الصحيحة

والتوبة واجبة من كل ذنب كبيره وصغيره فوراً وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب التوبة. والغفلة هي الانشغال بمعصية الله عن طاعته، فالمسلم العاقل هو الذي يقوم نفسه ويأخذ بزمامها إلى ما فيه مرضاة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وإن جنحت نفسه يوماً للوقوع في المعاصي والانهماك في الشهوات المحرمة، فليعلم أن الخالق غفور رحيم، يقبل التوب ويعفو عن السيئات، وأنه مهما أسرف في الذنوب ثم تاب منها فإن الله يغفرها جميعاً، لقوله عز وجل: «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم»، والقنوط من رحمة الله هو أن يجزم المرء في نفسه بأن الله لا يرحمه ولا يغفر له بل يعذبه، وهذا القنوط من الكبائر.
واعلم أن التوبة الصحيحة ينبغي أن تبدأ بالندم على الذنب: بمعنى أن يندم التائب على فعلته التي كان وقع فيها ويشعر بالحزن والأسف كلما ذكرها ثم بالعزم على الإقلاع عن الذنب: فيترك التائب الذنب الذي أراد التوبة منه باختياره، سواء كان هذا الذنب من الكبائر أم من الصغائر، وكذلك العزم على عدم العودة إلى الذنب: وهو شرط مرتبط بنية التائب، وهو بمثابة عهد يقطعه على نفسه بعدم الرجوع إلى الذنب، ثم لابد للتائب من أن يتحلل من حقوق الناس فإذا كان الذنب متعلقاً بحقوق الناس، فلابد أن يعيد الحق لأصحابه، أو يطلب منهم المسامحة، ولا شك أن التوبة النصوح تشمل هذه المعاني كلها، فصاحبها قد وثق العزم على عدم العودة إلى الذنب، وهذه هي التوبة التي تورث صاحبها الفلاح عاجلاً وآجلاً.

لا توقف ولا يأس

لا تتوقف عن التوبة، وحتى إن عدت إلى المعصية فلا تغلق باب الرجاء في نفسك، واعلم أن الله تبارك وتعالى سيتوب عليك، وسيغفر ذنبك، والمهم ألا يضحك عليك الشيطان فيوقعك في المعصية مرة أخرى ويمنعك من التوبة، فلو أوقعك في المعصية مرة بل ومرات فلا تقنط من رحمة الله، وكن دائماً على توبة متصلة ومستمرة مع الله سبحانه وتعالى، واجتهد في ترك المعصية، والمهم ألاّ تتوقف عن التوبة مطلقاّ، لأنك عندما تتوقف عن التوبة تحقق هدف الشيطان لأنك حينئذ تصبح ولياً من أوليائه، وجندياً من جنوده، فواصل التوبة، وواصل الاستغفار، وواصل الندم، وحاول أن تحافظ على الصلاة في أوقاتها، وأكثر من الاستغفار، وأكثر من الاستعاذة بالله سبحانه وتعالى من الشيطان الرجيم، وحاول أن تحافظ على أذكار الصباح والمساء. ولا تتوقف عن ذلك أبداً، حتى يتوب الله عليك. ولا يغيب عنك أبداً قوله عز وجل: «إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب».
أخيراً.. ضع نصب عينيك دائماً قول الله سبحانه وتعالى: «وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون».
واستبشر على الدوام بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر». وبقوله عليه الصلاة والسلام: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر».